ابن الجوزي
86
صيد الخاطر
فوقف بباب الدار ، وأمر بعض أصحابه فدخل ، فقلع طينا جديدا قد طيّنه ، فقام الأعجمي وخرج ، فسئل أبو يزيد عن ذلك فقال : هذا الطين من وجه فيه شبهة ، فلما زالت الشبهة زال صاحبها . وعن إبراهيم الخواص رحمة اللّه عليه : أنه خرج لإنكار منكر ، فنبحه كلب له فمنعه أن يمضي ، فعاد ودخل المسجد ، وصلى ثم خرج ، فبصبص الكلب له فمضى وأنكر فزال المنكر ، فسئل عن تلك الحال فقال : كان عندي منكر ، فمنعني الكلب ، فلما عدت تبت من ذلك ، فكان ما رأيتم . والخامس : أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب ، فربما كان في حصوله زيادة إثم ، أو تأخير عن مرتبة خير ، فكان المنع أصلح ، وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل اللّه الغزو ، فهتف به هاتف : إنك إن غزوت أسرت ، وإن أسرت تنصرت . والسادس : أنه ربما كان فقد ما فقدته سببا للوقوف على الباب واللّجإ « 1 » وحصوله سببا للاشتغال به عن المسؤول ، وهذا الظاهر بدليل انه لولا هذه النازلة ما رأيناك على باب اللّجإ ، فالحق عز وجل علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه ، فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه ، يستغيثون به ، فهذا من النعم في طي البلاء ، وإنما البلاء المحض ، ما يشغلك عنه ، فأما ما يقيمك بين يديه ، فبه جمالك . وقد حكي عن يحيى البكاء أنه رأى ربه عز وجل في المنام ، فقال : يا رب كم أدعوك ولا تجيبني . فقال : يا يحيى إني أحب أن أسمع صوتك . وإذا تدبرت هذه الأشياء تشاغلت بما هو أنفع لك ، من حصول ما فاتك من دفع خلل ، أو اعتذار من زلل ، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب . 39 - تهوين المصيبة من نزلت به بلية ، فأراد تمحيقها ، فليتصورها أكثر مما هي تهن ، وليتخايل ثوابها وليتوهم أعظم منها ، يرى الربح في الاقتصار عليها ، وليتلمح سرعة زوالها ، فإنه لولا كرب الشدة ، ما رجيت ساعة الراحة ، وليعلم أن مدة مقامها عنده ، كمدة مقام الضيف فليتفقد حوائجه في كل لحظة ، فيا سرعة انقضاء مقامه ، ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل ، ووصف المضيف بالكرم . فكذلك الشدة ، ينبغي أن تراعى
--> ( 1 ) اللجء مصدر لجأ وهو على وزن منع يمنع منعا .